حين ينظر المرء في المرآة بعد ستين عامًا، هل يرى ملامح رحلته وذكريات لأيام انقضت؟ أم تخرج تنهيدة يصاحبها السؤال المعتاد: “وماذا بعد الستين؟” وهل يمكن لتلك السنوات أن تكون ولادة جديدة، حيث يُعاد رسم طريق الحياة بشغف وأمل؟

هناك من يرى في بلوغ الستين والتقاعد محطة النهاية، حيث يهدأ الحلم والطموح، وتُطوى الصفحات، وكأن العمر لم يعد يحتمل المغامرة. وهناك من يدرك أنها فصل جديد لم يُكتب بعد.

تختلف نظرة المجتمعات للتقاعد من ثقافةٍ لأخرى. في بعض الثقافات، يُنظر إليه كمرحلة استراحة واستجمام، بينما في ثقافات أخرى، يُعتبر فرصة لإعادة اكتشاف الذات وخوض تجارب جديدة.

في دوراتي التدريبية، التقيتُ بأشخاص قرروا أن الستين ليست محطة ختامية، بل انطلاقة نحو أفقٍ جديد. رأيتهم وهم يفتحون أبوابًا كانت مغلقة، وينظرون من نوافذ جديدة لإعادة اكتشاف أنفسهم. بعضهم منح شغفه المؤجل فرصةً للحياة، وبلغ ذروة إبداعه وعطائه بعد الستين. لكنني رأيت أيضًا من استسلموا للفراغ، ومن سمحوا للكسل أن يسرق أيامهم، وكأن التقاعد إعلان بانتهاء الحياة.

فهل الفرق في العمر حقًا، أم في الروح التي تختار كيف تحيياه؟

أتذكر أثناء دراستي لدبلوم “إعادة تحديد المسار المهني” كيف كنت مأخوذةً بكلمات المحاضر وهو يتحدث عن الشغف… عن تلك اللحظة التي يقرر فيها الإنسان إعادة اختيار طريقه بما يتناغم مع شغفه. لم يكن مجرد حديثٍ نظري، بل كان نافذة فتحت لي رؤى أعمق عن كل تلك القصص التي عشتها مع المتدربين، خاصةً مَن تجاوزوا الستين عامًا.

رأيتُ كيف يمكن للإنسان، في أي مرحلة من حياته، أن يعيد تصميم مستقبله المهني بروحٍ جديدة، وكأنه يمنح نفسه بدايةً أخرى. تأملتُ كلمات المحاضر، ورأيتُ انعكاسها في تجارب كثيرة من حولي، في قصص من عرفتهم عن قرب؛ كأشقائي الذين اختاروا الاستمرار بعد الستين في مجالاتهم أو في مجالات قريبة، وكالمهندس أحمد الذي الهمني بنشاطه وطموحه، عندما قرر بعد الخامسة والستين أن يصبح مدربًا، لينقل خبرته إلى الآخرين.

وكانت من بين هذه القصص واحدة لم تفارق ذاكرتي، ربما لأنها كانت الدليل الأوضح على أن الشغف لا يعرف عمرًا، وأن البدايات لا تتوقف عند مرحلة معينة.

لم يكن التقاعد بالنسبة لتامر فهمي نهاية الرحلة، بل بدايةً أخرى اختارها بإرادته، لأنها كانت تسكنه منذ زمن. فبعد سنواتٍ طويلةٍ قضاها بين الأرقام، وضع قلمه المحاسبي جانبًا، وأمسك بشيءٍ آخر… كاميرته.

كانت أول كاميرا هدية تلقاها من والده وهو في الخامسة عشرة، وكأنها امتدادٌ لعينيه، يرى بها العالم بطريقته الخاصة. منذ ذلك الحين، أصبح التصوير شغفه، لكنه ظل محصورًا في الدائرة الشخصية، بين العائلة والأصدقاء. أما بعد الستين، فقد تحولت الكاميرا إلى نافذته لرؤيةٍ مؤجلة، وشغفٍ طالما سكنه دون أن يمنحه الوقت حقه في الظهور.

اختار أن يتفاعل مع كاميرته بعمق، أن يرى الأشياء بعدسته برؤيةٍ جديدة. الضوء المتسلل بين أوراق الشجر، انعكاس الشمس على مياه النيل… كل شيء بدا وكأنه ينتظر أن يُلتقط بعينيه و بعدسة كاميرته. كان يتعلم من كل لقطة: كيف ينتظر اللحظة المثالية، يختار الزاوية التي تضفي الحياة على المشهد، ويرى التفاصيل التي قد يتجاهلها الآخرون. ومع كل صورة كان يلتقطها، كان يرى مِصْر بعيونٍ جديدة.

كانت مِصْر في عينيه كما رآها بعدسته، وكما عبّر عنها في أحد خواطره:

“عشقتُ نيلَك… عشقتُ هرمَك… عشقتُ قمرَك في الفضا

عشقتُ فجرَك… عشقتُ زرعَك… عشقتُ وردَك في الندى....”

ومع الوقت، لم يعد التصوير مجرد متعةٍ خاصة، بل تحول إلى رغبةٍ في مشاركة هذا السحر مع الآخرين.

بدأ تامر فهمي، وقد تجاوز الستين، في إعداد مواد تدريبية لمحبّي التصوير، ليساعدهم على فهمه بعمق. فكان قراره أن يقدم أساسيات التصوير لهواة يحملون كاميراتهم، يلتقطون الصور بسهولة، لكنهم لم يكونوا يرون ما كان يراه. كانوا يعتمدون على الكاميرا، لكنه أراد أن يعلمهم شيئًا آخر… أن العدسة الحقيقية ليست في الكاميرا ، بل في العين التي خلفها، فالكاميرا تلتقط المشهد، بينما المصور يمنحه الروح.

لم يكن تامر فهمي يتخيل أن رحلته الطويلة بين الأرقام ستنتهي به إلى عالم الضوء والظلال والألوان، واعتقد أنه لم يكن مجرد مدير تقاعد، بل فنانًا تأخر ظهوره. لكنه حين جاء؛ جاء بكامل شغفه، وكأن السنوات التي مضت لم تكن سوى مقدمةٍ للحظة التي يمسك فيها بالكاميرا، ويرى الحياة من زاوية لم يرها من قبل.

عزيزي القارئ:-” إذا كانت حياتك لا تُقاس بعدد السنوات، بل بقدرتك على أن تتجدد مع كل يوم يمنحك الله إياه، فهذا يعني أنك ما زلت حاضرًا، وما زالت أمامك فرص تستحق أن تغتنمها”.

#أنتهى #

By Sahar Hamza

أديبة قاصة وشاعرة ومؤلفة للعديد من الأطفال منها السنابل الذهبية والشجرة الحزينة ونصائح ماما سحر وحكايات جدني وأطفال الحجارة ،وجسر العودة صاحبة سلسلة روايات حكايات إمرأة في جزئها الثامن وباحثه إستقصائية وكوتش ومدرب عالمي معتمد في التحرير الصحفي وناشرة ولديها عدد من الكتب البحثية المتنوعة في مغامرات إعلامية مثل قصص لا يعرفها أحد وقرى تحت خط الفقر وكنوز في كهوف لم يكتب عنها وملفات حول النساء والأطفال ذات موضوعات اجتماعية بحتة من مواقع ميدانية ومؤلف مسرحيات هي سندريلا تبعث من جديد وصراخ الطبيعة وعلاء الدين وأرضه السحرية ومسرحية سجل أنا عربي مقتبسة من ثصيدة الشاعر الفلسطيني الكبير الشهيد المبعوث حيا بين قصائده المدوية صدر للكاتبة سحر حمزة خمسة دواوين شعر منها رسائل للقمر وصباح الخير يا وطن وقصائد للنساء فقط وأوتار قلب وصباح الخير يا غزة وفازت رواية سيدة الليلك الجزء الأول من حكايات إمرأة كأفضل رواية صدرت عام 2009 لمجلس الصحافة العالم وهي تروي معاناة المرأة التي يحاول البعض دفن طموحها وأبداعها ولديها كتب أخرى قيد الإصدار منها دفن حيا حيث يؤد جبها الأول قبل أن يخرج للنور وتكمل في هذه الأيام روايتها التي توصفها بأنها أقوى ما كتبت تحت عنوان على ضفاف نهر الخالد وستكون مفاجأة لمتابعينها في معرض الشارقة للكتاب في دورته ال45 نوفمبر المقبل بإذن الله